محمد مهدی الجواهری و أغراضه الشعریة
المقدمة
ولد محمد مهدی الجواهرى عام 1903م بمدینه النجف الأشرف، أی تلک البقعة الرملیة الممتدة من صحراء الجزیرة العربیة الواقعة على بعد أمیال من أرض الكوفة الشهیرة. فقد كانت وما تزال مركزاً دینیاً وسیاسیاً، واجتماعیاً، وأدبیاً تضخ للبشریة كل حین برجالات وشخصیات لا یمكن اخفاء آثار أصابعهم على أهم الأحداث والوقائع السیاسیة والأدبیة والثقافیة فی العراق والعالم الاسلامی وتطوراتها، وكذلك لایمكن اغفال دورها فی بناء صرح الفكر الانسانی بشكل عام. لقد كان الجواهری ابن النجف الاشرف ومن سلالة أسرة متقدمة عمقا" بالغا" فی التأریخ الدینی والسیاسی والاجتماعی للنجف. ولد فى بدایة القرن العشرین ورحل فی آخره، خاض غمار أحداث قرنٍ صعبٍ و معقد وحافل بالعجب العجاب، بدأ بالقریض وهو فی سن مبكر، اشتهر وملك الدنیا وهو لایزال شاباً فی مقتبل العمر. قیل عنه الكثیر بدءاً من نابغة الشعر العربى، ومروراً بشاعر العرب الأكبر، وأمیر الشعراء بعد شوقی، ووارث الشعر العربی وحافظه، ومتنبی العصر وربّ الشعر، وانتهاءً بألقاب وأوسمة أدبیة قلّما حصلت وتحصل لشاعر عربی، والحق لایمكن الظن بأن البنى التحتیة والأساس فی كل هذه التسمیات والأنواط غیر ثابتة فی أرض صلبة، خصبة معطاء، والا كیف صح أن اجتمعت عقول أدبیة راسخة، ونجوم متألقة فی دنیا الأدب یشار الیهم بالبنان لتعترف بقمة الجواهری، ولتهدی الیه بسخاء ما لا ینحدر الیه السیل ولا یرتفع الیه الطیر من المنزلة والعظمة. والواقع أن الاحاطة بشاعر كالجواهری صعب جداً وبیان قراءة خاصة بشخصه وأدبه تمتاز بالشمول والالمام المطلوبین أصعب. فالكتابة عنه بمثابة الكتابة عن مائة عام عاشها بآلامها، وأفراحها بوعی ونبوغ یحسد علیه ، وهی كذلك تعنی سبر أغوار آخر شاعر كلاسیكی، أصولی حفظ الشعر العربی من التیه والضیاع واكسبه حداثة لا تزول معها أصوله الأولیة من الجاهلیة الى یومنا هذا، ومما یزید الأمر صعوبة ندرة المصادر فی هذا الشأن والموجودة منها قد لا یفی بالغرض المطلوب.
لا شك أن القاء الضوء على مجمل أشعاره الذی أنشد ما یقارب عشرین ألف بیتاً خلال عمره المدید البالغ قرناً كاملاً، والذی أرعب الطغاة والجبابرة، وحمل هموم الجماهیر وبؤسها وحرمانها، حاملاً خشبته على كتفه متنقلاً فی البلدان والأقالیم - لممتلىء احساساً، وقوة، وبراعة فی التصویر وخلق الحالة مستجیباً للدواعی الاجتماعیة والسیاسیة. وبغیة ازاحة الستار عن الأغراض الشعریة التی یتطرق الیها الشاعر، بل عایشها روحاً وجسماً، ودفع عنها أثماناً باهضة، فالرجل ذو خیال واسع، عنید، لا یقبل الخضوع، طموح الى أقصى حد، عاشق المجد، لا یستوعبه مجال وزمان.
وجدنا من الضروری التعرف على البواعث الرئیسیة لتفجر الشاعریة لدیه وسر تطور شعره، قبل خمسین عاماً تقریباً دار بینه وبین مؤلف كتاب «شعراء الغری» حوارٌ أشار الى هذا الموضوع وفی معرض أجابته عن سر شاعریته قال: (الخاقانی، ج 1، ص 139) «لا أعلم وقد أستطیع التحدث عن سر الشاعریة مطلقاً، أما عوامل تطور الشاعریة فعدیدة، أهمها حب الظهور والتنافس، فقد كنت أقرأ شعراً لشعراء مشهورین وأناجی ضمیری، بأنی هل أستطیع أن أنال مقام ذلك الشاعر؟ أقول بتجرد عن الغرور، أنی وصلت الى الیوم الذی شعرت فیه بأنى كما أردت، وأنا مدین لهذا الشعور والاحساس، ودافِع آخر هو أننی وجدت "لسوء الحظ أو لحسنه" من الجرأة على الصدع بالقول أو الجهر به مالم یكن عند الآخرین». لقد صدق الجواهری نفسه فی تصریحه هذا، كان فی داخله ینافس الشعراء العظام أمثال المتنبی، وأبی تمام، والبحتری، وبشار، وشیخ المعرة، بل كان یرى نفسه لیس فقط قریناً لهم، بل هو أكثر غروراً، وأكثر طموحاً وباحثاً عن المجد والخلود، بل لعله كان یرى نفسه فی حالة أخرى رمزاً لبقاء أصوات هؤلاء العظام مدویاً فی القرن العشرین. على هذا فانه لم یكن لیترك غرضاً شعریاً قد أفاد به القدماء، الا زین به قصائده، قد صال وجال مقتحماً جمیع الأغراض الشعریة. ویكفى أن نلقی نظرة عابرة على دواوینه الشعریة، لنرى كیف أن الأغراض الشعریة تنقاد لقوافیه وتستسلم أمام فكره ولغته وكونه عاش الاحداث السیاسیة وتفاعل معها وكان هو من صلبها ومن اعدادها الاولى، لذلك نراه متأثراً بالغرض السیاسی ومتعمقاً فیه أكثر من بقیة الأغراض، ومن الصعب أن نجده فی أشعاره بعیداً عن الهم السیاسی فهو شغله الشاغل، وعصب هدفه الشعری، فقد خاض المعارك السیاسیة بجدارة فائقة، واختزل الزمن والمسافات، مفسراً كاشفاً منظراً محللاً، وحاملاً لهموم یقتضیه طموح لا نهایة له، فهو المتنبی الكبیر تارة، والبحتری تارة أخرى، أو رهین المحبسین أبو العلاء المعری مرة، وأبو نؤاس بغداد أخرى، فهو عمر بن أبی ربیعة مرة، والشریف الرضی أخرى. ونود الاشارة الى جل شهرته یعود الى تعاطیه الشعر السیاسی، فالسیاسة كانت لب حیاته، ویأتی فی المرتبة الثانیة شعره فی المرأة أو الغزل، فقد كان شعره فی المرأة لاسیما غزله المكشوف دائماً المثیر للضجة، والجدل والتساؤل. وان كان غزله الأكثر اثارة وعنفاً، فلقد كان یكمن وراءه بواعث ودوافع وعوامل تطرق الیها النقاد وباحثو الأدب العربی، سنشیر الیها بشكل خاص من خلال طرح أغراضه الشعریة.
1- المدح:
اذا كان المدح یعتبر من أهم وأكثر وأشهر الأغراض الشعریة فی تاریخ الأدب العربی، فقد تطرق الیه جل شعراء العرب، وما من دیوان لشاعر عربى الا وللمدح بصمات واضحة علیه ومعلوم أن المدح فی الشعر العربی كان دوماً ینحى من خلال منحیین ویساق على محورین، فقد كان المدح التكسبی والمدح غیر التكسبی، یعنی مدح القیم، أو المدح النموذجی، الذی یرى الشاعر فی الممدوح النموذج الأمثل، والأحسن، وهو المدح الحقیقی الذی یتقصى الظواهر الحقیقیة الكامنة فی شخصیة الممدوح.
لقد مدح الجواهری الكثیرین، علماء، رجال حكم، أدباء، شخصیات وطنیة، ورموز ثائرة فی كل مكان. لا یختلف لدیه ان كان الممدوح عراقیاً أو عربیاً، أو كان من قوم غیر العرب، یكفی أن تتطابق شخصیة الممدوح مع القیم والموازین أو الشروط التی كان یراها لزاماً لكل ممدوح حتى یكون فی مستوى مدح شاعر كالجواهری. فلم یكن مدحه مدحاً یهدف من ورائه مطامع مادیة أو یهدف الی الحصول على مواقع اجتماعیة أو سیاسیة، فقد كان مدحه دائماً یستند على الأحوال والظروف الخاصة من الناحیة الزمنیة والسیاسیة والاجتماعیة. ومن ممیزات مدحه، أنه یتفرع فی المدح ویخرج الى آفاق خارج الممدوح، أو یقصد فی مدحه افادة الممدوح وتحذیره أو توجیهه بالجهة التی یریدها، وهو صادق فی مدحه، ذو شفافیة، یرسم لوحة رنانة، یبقى مع الممدوح ویشتهر به، وحتى أن السمات البارعة التی ینسبها الى ممدوحه قد تطغی على شخصیته وقد تخلق منه شخصیة أخرى فی عیون الآخرین.
انه فی العشرینیات وفی بدایة نبوغه الشعری وفی خضم أحداث ثورة العشرین وما تلاها مدح رجال الثورة ومجدهم أیما تمجید. (من قصیدة ثورة العراق، الجواهری فی العیون ...، ص 45)
وَدعوةٌ مشهودةٌ تَدعُو لِیومٍ یَشهَدُ
قامَ بها مُقَلّدٌ بعزمِهِ مجتهدُ
محمدٌ ومُعْجِزٌ مثلُكَ یا محمدُ
ویأتی بعد تعظیم قائد الثورة ومحركها آیة الله الشیرازی الى دور أبناء الشعب فی هذه الثورة العارمة:
یَرَوْنَ أَقْصَى مَطْمَعٍ فی الحربِ أَنْ یَسْتَشْهدُوا
كأنَّما لیستْ لهم نفوسُهُمْ والولدُ
ثم یمیل لیعتبر هذه الثورة ثورة كل العرب:
یا ثورةَ العُرْبِ انْهَضِی لا تخلقِی ما جَدَّدُوا
لا عاشَ شَعْبٌ أهلُهُ لسانهم مُقَیَّدُ
عمل الجواهری فی تشریفات الملك فیصل الأول مدة، وقد خص الملك بعدة قصائد مدح فیها الملك وخصه بصفات وخصال ممیزة:
للهِ درُّكَ مِنْ خبیرٍ بارعٍ یَزِنُ الأمورَ بحكمةٍ وصوابِ
یُعنَی بما تَلِدُ اللَّیالیَ حِیطَةً و یعدُّ للأیامِ ألفَ حسابِ
مُتمكنٌ مما یریدُ یَنَالهُ موفورُ جأشٍ هادىءُ الأعصابِ
و اذا الشُّعوبُ تفاخَرَتْ بِدهاتِها فی فضِّ مشكلةٍ وحَلِّ صِعابِ
جاءَ العراق مباهیاً بسمیدعٍ بادی المهابةِ رائع جذابِ
وبعد أن یستمر بالقاء الصفات والمآثر على الملك، یرجع الى طرح نفسه بعنوان الشاعر النبیه الذی بامكانه أن یترصد الأمور: (دیوان الجواهری، ج 2، من قصیدة الى جنیف، ص 56)
إنِّی هززتُكَ بالقوافی قاصداً بكَ خدمةَ التاریخِ والآدابِ
أَطنَبتُ فی غُصَصٍ لدی كثیرةٍ تبیانُها یدعُو الى الإطنابِ
لی حَقُ تَمحیصِ الأمورِ كَوَاحِدٍ مِنْ سائرِ الشُّعراءِ والكتابِ
إذا أُصبتُ فَخَصلَةٌ محمودةٌ واذا زَلَلتُ فلَستُ فاقدَ عابِ
وبعد وقوع ثورة 14 تموز عام 1958م سارع الى تأییدها ومباركتها باعتبارها تحقیقاً لأمل كل الجماهیر، وقد مدح زعیم الثورة عبد الكریم قاسم بقصائد عدیدة، وكان بینهما علاقات صمیمیة حتى قیل ان الجواهری قد وجد فیه سیف الدولة: (نفسه، ج 5 ، ص 38 ؛ من قصیدة المستنصریة)
أَعِدْ مَجْدَ بغدادَ ومجدُك أغلبُ وجَدِّدْ لها عهداً وعهدُك أطیبُ
وأَطْلِعْ عَلَى المُستنصریةِ كوكباً وأَطْلَعْتَهُ حَقّاً، فإنَّكَ كوكبُ
أقمتَ بها عزاً عریقاً مُكَعَّباً وكانَ بها ذُلٌّ عریقٌ مُكعبٌ
ثم یملی على الزعیم مایراه مناسباً ومقام الثورة من ألقاب وأوسمة:
أبا كلِّ حرٍّ لا أبا الشَّعْبِ وَحْدَهُ إذا احْتَضَنَ الأَحرار فی أمَّةِ أبِ
انه لم یقتنع باعتبار عبد الكریم قاسم أباً للشعب العراقی بل تعداه فی ذلك الى أب جمیع الأحرار فی العالم، حینذاك یرى نفسه وقد تقرب الى قلبه مستغلاً المناسبة لیطلب منه إطلاق سراح بعض المسجونین ویكون لهم لدیه شفیعاً:
أَبا كُلِّ حُرٍّ لِی إلیكَ شَفَاعَةٌ فهلْ أنا ذَیاكَ الشَّفیعُ المُقَرَّبُ
ویقول:
هنالكَ فیما بین مَثْوىً وآخر شباب عن الأفراحِ فی العیدِ غیبُ
حنانَیْكَ لاتَغْضَبْ عَلَیهم بِظنَّه فَلَلْمَوتُ مِنْ سُخْطِ المُحِبِّینَ أَطْیَبُ
ومن هنا بدأ الجواهری بتحذیر عبد الكریم قاسم من مؤامرات قد تحاك ضد الثورة:
أبا الشَّعْبِ لاأُخْفِیكَ بَثّاً یَهُزُّنِی وما أنا لِلْخلِّ الصَّریحِ مُرَوِّبُ
تَسَرَّبَ هَمْسٌ أنَّ فَقْعاً بِقَرْقرٍ یُعِیدُ شراكاً للهزبرِ ویَنْصبُ(2)
(2) مروب: غاش؛ فقع بقرقر: كنایه عن مخلوق ضعیف، الهزبر: الأسد الكاسر.
فی عام 1953م وبمناسبة تتویج الملك فیصل الثانی على عرش العراق وذلك بوصایة خاله الأمیر عبد الاله، ألقى الجواهری فی حفل التتویج قصیدة فی مدح الملك والوصی، وبعد سنین من ذلك اعتبر الجواهری هذه القصیدة هاویة وقع فیها، أو لحظات ضعف، وانتقد نفسه وشاعریته فی ذلك، وهذه من خصائصه فهو على الرغم من اباءه وغروره لكنه فی لحظات الهفوة یعترف اعتراف التائب العائد. فی كتاب الجواهری صناجة الشعر العربی فی القرن العشرین، تناول الدكتور زاهد محمد زهدی هذا الموضوع بالتفصیل. وعلى الرغم من أن الدكتور یضم صوته الى أصوات منتقدی هذه القصیدة، لأنها كانت فی زمن كان الألم یعصر بالعراقیین والتعسف والظلم كان ینهش جسم المجتمع العراقی، لقد أخطأ الجواهری فی تقدیره لزمن انشاد هذه القصیدة، على الرغم من كل هذا فقد دافع الدكتور دفاعاً حسناً عن الشاعر وقال: فاذا كان السادة الذین تصدوا للجواهری یأخذون علیه قصیدة مدح لهذا أو ذاك من رجال الدولة فی الثلاثینیات من هذا القرن فیطالبون برأسه لهذه الأسباب وبشطبه من قائمة القوى الوطنیة، فماذا یتوجب علینا أن نفعل بشعر أبی عبادة البحتری مثلاً حین یمدح خلیفة العباسی المتوكل قائلاً:
قد جَعَلَ اللهُ الى "جعفرٍ" حیاطةَ الدِّینِ وقَمْعَ النِّفاقْ
طاعتُهُ فَرْضٌ وعِصیانُهُ مِنْ أعظمِ الكُفرِ وأَعْلى الشِّقاقْ
وما هو رأیهم حین یعزی البحتری المتوكل بوفاة أمه:
لَئنْ رُزِئْتَ التی مامثلُهَا امرأةٌ لقد أتیت الذی مامثلُهُ رجلٌ
والناسُ كلُّهُم فی كُلِّ حادثةٍ "فداءُ نَعْلِكَ" أنْ یَغْتَالَكَ الزَّلَلُ
ثم ما رأى هؤلاء السادة، شانئی الجواهری بالشاعر العظیم أبی الطیب المتنبی وهو یمدح كافوراً:
قالوا هجرت الیه الغیث، قلت لهم: الى غُیُوثِ یَدَیْهِ والشَّآبِیبِ(1)
إلَى الذی تَهبُ الدَّولات راحتُُهُ ولا یَمُنُُّ عَلََى آثارِ مَوهوبِ
(1) الشؤبوب الدفعة من المطر الشدیدة وجمعه شآبیب قال أبن جنى یقول تركت القلیل من ندى غیره إلى الكثیر من نداه.
ثم یقول هاجیاً الأستاذ الذی مدحه، یعنی كافوراً، فیقول فی هجائه:
إِنّی نَزَلتُ بِكَذّابینَ ضَیفُهُمُ عَنِ القِرى وَعَنِ التَرحالِ مَحدودُ
جودُ الرِجالِ مِنَ الأَیدی وَجودُهُمُ مِنَ اللِّسانِ فَلا كانُوا وَلا الجودُ
هل نشطب على البحتری وعلى المتنبی مثلما یحاول البعض من هؤلاء السادة الأفاضل أن یشطبوا على الجواهری العظیم لمجرد أنه مدح بعض رجالات العهد الملكی؟ واذن فنحن انما ندرج قصائد الجواهری فی مدح بعض أقطاب الحكم فی العراق فی أوقات مختلفة فی باب الصراعات والمناورات بین هؤلاء الحاكمین. ولقد قال فی نقد قصیدته فی التتویج "لقد اغتصبت فی تلك الزلة ضمیری. لأنی وبمحض ارادتی هرولت مسرعاً الى تلك الهاویة" ولكن هذا لم یرض خصومه على الاطلاق. (زهدی، ص 349) نورد مقاطع من قصیدة التتویج: (الجبوری، ص 126)
تِهْ یا ربیعُ بِزَهْرِكَ العَطِرِ النَّدى وبضوئك الزَّاهِی ربیع المولدِ(1)
باهَ السَّما ونجومها مُتَشعشعٌ عریان مِنْ نجمِ الرُّبَى المُتَوقدِ
یا أیها "الملكُ" الأغَرُّ تحیَّة مِنْ شاعرٍ باللُّطْفِ منكَ مُؤیّدِ
أنا غرسُكُم أعلى أبوكَ محلَّتی نبلاً وشَرَّفَ فَضْلُ جدِّكَ مقعدِی
ما كانتِ الزُّلْفَى ذریعةََ مغنمٍ یُرْجى ولست عَلََى اللهی بِمُعَوّدِ
یا ابنَ البتولِ وفیكَ عزُّ شمائل مِنْ جدِّكَ النُّور الأغرّ محمدِ
(1) تِهْ: مِنْ تاه یتیه تیهاً: تكبر، تائهة: المتكبر؛ شعشع: انتشر، شعشع الضوء انتشر.
2 - الرثاء:
اذا كان الرثاء ممزوجاً مع المدح فی الشعر العربی، أی أن الرثاء فی الواقع هو مدح بفارق أن الممدوح هنا میت. ولقد كان للموت وقع خاص لدیه سواء بالنسبة الیه أو بالنسبة الى أطرافه. فقد أجاد الجواهری رثاء أحبائه أو الذین كان یعتبرهم نماذج تاریخیة، فقد رثاهم ورثا معهم المجتمع وحتى رثا نفسه معهم. مما یمتاز به رثائه قیاساً الى رثاء بقیة الشعراء هو أن الشاعر قد یتخذ الرثاء ذریعة للدخول فی مفردات كثیرة ومتنوعة، وأغلب الرثاء فی شعره یتخذ بالتالی طابعاً سیاسیاً تهكمیاً، أو انتقاداً لظروف خاصة، أو مطالعات سیاسیة واجتماعیة یبین فیها الشاعر آرائه المستخلصة من تجاربه السیاسیة والاجتماعیة. فالرثاء عنده ینقسم الى رثاء خاص وهو للمقربین من أهله ومعارفه، ورثاء عام ینشده لرموز وشخصیات سیاسیة، أجتماعیة، أدبیة. رثاءه، رثاء عاطفی یجیش مع الأحاسیس الصادقة التی تعبر عن احتراق داخلى للمفقود. و هو من القلائل فی اتخاذه رثاء نفسه، ویعود رثاء النفس هذا، الى ما كان یراه من غمائم سود فی رحاب الأفق السیاسیة، والأجواء التی كانت تحیط به، وهو على الرغم من كونه مشهوراً بالتفاؤل بحتمیة حصول التغییر وعدم بقاء الأرضیة لظلم الظالمین وطغیان الطغاة، لكنه لا یفتأ یتذكر الموت، هذا الهاجس الخطیر الذی لیس لأحد ابعاده عن نفسه. وهو القائل:
مَنْ منكُمُ رغمَ الحیاةِ وعیبها لم یحْتسبْ للموتِ ألْفَ حسابِ
أنا أبغضُ الموتَ اللئیمَ وَطیفَهُ بغضی طیوف مخاتل نصابِ
ذئبٌ تُرَصِّدُنِی وفوقَ نُیوبِهِ دمُ اِخْوتِی وأقاربی وصحابی
فی قصیدة "حافظ ابراهیم"، رثى الجواهری الشاعر حافظ ابراهیم وكان رثاءه فی الواقع رثاءً لنفسه وللآخرین الذین یخطفهم الموت لا محالة، قال: (الجواهری فی العیون من أشعاره، ص 112)
نفوا إلى الشِّعْر حُراً كان یَرْعَاه ومن یشق على الأحرار منعاه(1)
أَفْنَى الزَّمانُ عَلَى نادٍ "زَها" زَمَناً بِحَافِظ واكْتَسَى بِالحُزْنِ مَغْنَاهُ
(1) منعاه: نعیه؛ مغناه: نشیده.
ثم یستغل الجواهری رثاء حافظ ابراهیم لیطرح من جدید نظراته وتشائمه من الموت:
ضَحیَّةَ الموتِ هَلْ تَهوِی معاودَهُ لعالمٍ كنتَ قیلاً من ضحایاهُ
ما لذَّةُ العیشِ جَهْلُ العیشِ مَبْدَأُهُ والهمُّ واسطةٌ، والموتُ عُقباهُ
أما فی رثاءه لأمیر الشعراء أحمد شوقی ومن خلال قصیدته عام 1932م فانه قد جعل حفل التأبین، مجلساً للبكاء على الأدباء والمفكرین، بل رثاءً للفكر والإنسانیة: (دیوان الجواهری ج2 ص133)